فصل: حفظ الصحابة للقرآن:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المدخل لدراسة القرآن الكريم



.الصلة السادسة:

ما نزل مفرقا وما نزل جمعا: أما الأول فأمثلته كثيرة لا يحصيها العدّ؛ لأن غالب القرآن نزل كذلك، فمن ذلك في السور القصار سورة {اقْرَأْ}؛ فقد نزل صدرها إلى {ما لَمْ يَعْلَمْ} والمدثر نزل صدرها إلى {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} والضحى نزل صدرها إلى {فَتَرْضى} ثم نزلت أواخرها بعد هذا، وفي السور الطوال صدر سورة {براءة}، وصدر سورة ال عمران إلى بضع وثمانين آية، بسبب وفد نجران لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم.
ومثال الثاني في السور القصار الفاتحة، والإخلاص، والكوثر، وتبت، ولم يكن، والنصر، والمعوذتان، وفي السور الطوال من المفصل، والمرسلات، وسورة الصف، ومما ذكروه من السور الطوال سورة الأنعام، فقد أخرج أبو عبيد والطبراني عن ابن عباس قال: نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة حولها سبعون ألف ملك، وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نزلت سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك» وهذا الذي ذكروه غير مسلم، فإن سورة الأنعام، وإن كانت مكية إلا أن منها آيات مدنية قطعا مثل قوله تعالى: {وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} إلى ثلاث آيات فقد نزلت بسبب مالك بن الصيف أحد أحبار اليهود، كما يدل على ذلك سبب النزول، واستثنى بعض العلماء غير هذه الآيات الثلاث، وأما الآثار التي ذكروها فلم تثبت، قال ابن الصلاح في فتاويه: الحديث الوارد في أنها نزلت جملة واحدة رويناه من طريق أبي بن كعب، وفي إسناده ضعف، ولم نر له إسنادا صحيحا وقد روي ما يخالفه، فروى أنها لم تنزل جملة واحدة؛ بل نزلت آيات منها بالمدينة، اختلفوا في عددها فقيل ثلاث وقيل ست وقيل غير ذلك.
أما نزولها مشيعة فأمر محتمل إذا تثبت به الرواية، ويكون التشييع لجلها وما نزل منها لا لجميعها كما ذكروا، أو نقول: إن المراد بنزولها يشيعها سبعون ألف ملك نزولها من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في بيت العزة، ويكون نزولها مفرقة على النبي صلى الله عليه وسلم فيما بعد ذلك....

.المبحث السابع: جمع القرآن وتاريخه:

جمع القرآن يطلق تارة ويراد به حفظه وتقييده في الصدور ويطلق تارة ويراد به كتابته في الصحف والسطور، وجمع القرآن بهذا المعنى الثاني مر بأطوار ثلاثة:
1- جمعه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
2- جمعه في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
3- جمعه في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه.
وسنتكلم عن كل جمع منها مبينين خصائصه ومميزاته والأسباب الباعثة عليه.

.جمع القرآن بمعنى حفظه في الصدور:

.حفظ النبي للقرآن:

كان النبي صلى الله عليه وسلم ينزل عليه القرآن الكريم فيقرؤه على صحابته على تؤدة وتمهل كي يحفظوا لفظه ويفقهوا معناه؛ وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد العناية بحفظ القرآن وتلقفه، حتى بلغ من شدة عنايته به وحرصه عليه أنه كان يحرك به لسانه ويعالجه أشد المعالجة، حتى كان يجد من ذلك شدة؛ يقصد بذلك استعجال حفظ القرآن خشية أن تفلت منه كلمة أو يضيع منه حرف، وما زال كذلك حتى طمأنه ربه ووعده أن يحفظه له في صدره، وأن يقرئه لفظه ويفهمه معناه قال تعالى: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ} [القيامة: 16- 19].
وكان من دواعي حفظ القرآن وتثبيته في قلب النبي صلوات الله وسلامه عليه معارضة جبريل عليه السلام إياه بالقرآن في رمضان من كل عام، حتى كان العام الذي توفي فيه الرسول فعارضه مرتين، وفهم النبي من ذلك قرب انتهاء أجله، وكان القرآن شغل النبي الشاغل في سره وعلانيته، وفي حضره وسفره، وفي وحدته وبين صحابته وفي عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، لا يغيب عن قلبه، ولا يألوا جهدا في الائتمار بأوامره والانتهاء عن نواهيه والاعتبار بمواعظه وقصصه والتأدب بآدابه وأخلاقه، وتبليغه إلى الناس كافة، فمن ثم كان النبي صلوات الله وسلامه عليه مرجع المسلمين في حفظ القرآن، وفهمه، والوقوف على أسراره، ومراميه.

.حفظ الصحابة للقرآن:

وأما الصحابة رضوان الله عليهم فقد جعلوا القرآن في المحل الأول، يتنافسون في حفظ لفظه ويتسابقون في فهم معناه، وجعلوه مسلاتهم في فراغهم، ومتعبدهم في ليلهم، حتى لقد كان يسمع لهم بقراءته دوي كدوي النحل، {كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 17- 18]؛ ولقد وصفهم واصف فقال: كانوا رهبانا بالليل فرسانا بالنهار، وكان اعتمادهم في الحفظ على التلقي والسماع من الرسول، أو ممن تلقاه من الصحابة من الرسول، وما كانوا يعتمدون في حفظه على النقل من الصحف والسطور؛ لأن الاعتماد في حفظ القرآن على الصحف والمكتوب يفوت على القارئ ركنا مهما من أركان أداء القرآن الكريم على وجهه الصحيح، وهو علم التجويد.
ومن خصائص هذه الأمة حفظها لكتاب ربها وهو القرآن ففي الحديث الذي رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ربي قال لي: قم في قريش فأنذرهم، قلت أي ربي إذن يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزة، فقال: إني مبتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانا، فابعث جندا أبعث مثلهم، وقاتل بمن أطاعك من عصاك وأنفق ينفق عليك».
فقد أخبر أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء وإنما محلّه القلوب كما جاء في وصف هذه الأمة: «أناجيلهم في صدورهم» بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب ولا يقرءونه كله إلا نظرا لا عن ظهر قلب.
فلا عجب والحال كما سمعت أن حفظ القرآن جم غفير من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة وحذيفة، وسالم مولى أبي حذيفة، وابن مسعود، وأبو هريرة، وابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو ابن العاص، وأبوه، وغيرهم من المهاجرين، ومن الأنصار: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وأبو زيد، ومهما يكن من شيء فقد حفظ القرآن الكثيرون من الصحابة في عهد النبي؛ ولقد روي أنه قتل في يوم بئر معونة سبعون من القراء.
رواية مشكلة: ولكن يشكل على ما ذكرنا ما رواه البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك قال: مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة، أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، وأبو زيد هذا اسمه قيس بن السكن كما رواه ابن أبي داود بإسناد صحيح على شرط البخاري عن أنس: أنّ أبا زيد الذي جمع القرآن اسمه قيس بن السكن، قال: وكان رجلا منا من بني عدي بن النجار، أحد عمومتي، ومات ولم يدع عقبا ونحن ورثناه. قال ابن أبي داود: قد مات قريبا من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فذهب علمه، وكان عقبيا بدريا.
والحق أن لا إشكال؛ لأن مراد أنس الحصر الإضافي لا الحقيقي حتى يشكل الأمر إذ لا يتم له الحصر الحقيقي إلا إذا كان أنس لقي كل الصحابة وسألهم واحدا واحدا حتى يتم له الاستقراء، وهذا أمر مستبعد في العادة، ويدل أيضا على أن أنسا لم يقصد القصر الحقيقي أنه سأله قتادة عمن جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أربعة كلهم من الأنصار، أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قلت من أبو زيد قال أحد عمومتي. رواه البخاري، فقد ذكر في هذه الرواية أبي بن كعب بدل أبي الدرداء زد على هذا ما استفاض من أن الذين حفظوا القرآن على عهد الرسول كثيرون غير هؤلاء منهم الخلفاء الأربعة؛ ومما لا يرتاب فيه أن الصديق رضي الله عنه كان يحفظ القرآن جميعه في حياة الرسول لكثرة ملازمته له وحرصه على تلقف كل ما يصدر عنه، وفي الصحيح أنه بني له مسجدا وهو في مكة في فناء داره فكان يقرأ فيه القرآن على ما كان فيه من جهد وبلاء حتى لقد خاف المشركون على نسائهم وأبنائهم أن يفتتنوا بقراءته، ومنهم عبد الله بن مسعود، فقد كان أول من جهر بالقرآن بمكة، وأخذ من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة.
وقد أجاب العلماء السابقون أثابهم الله على حديث أنس؛ فمن قائل:
1- لم يجمع القرآن غير هؤلاء الأربعة تلقينا من الرسول، أما غيرهم فأخذوا بعضه بالتلقين وبعضه بالواسطة.
2- ومن قائل: أن المراد بالجمع الكتابة.
3- ومن قائل: لم يجمعه بجميع حروفه وقراءاته غير هؤلاء إلى غير ذلك من التأويلات.
4- والحق ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر في الفتح من أن ذلك بالنسبة إلى الخزرج دون الأوس فلا ينافي أن الكثيرين غيرهم من المهاجرين قد حفظوه قال الحافظ: وفي غالب هذه الاحتمالات تكلف؛ وقد ظهر لي احتمال آخر وهو أن المراد إثبات ذلك للخزرج دون الأوس، فلا ينفي ذلك عن غير القبيلتين من المهاجرين؛ لأنه قال ذلك في معرض المفاخرة بين الأوس والخزرج كما أخرجه ابن جرير بسنده عن أنس قال: افتخر الحيان الأوس والخزرج فقال الأوس: منا أربعة: من اهتز له العرش، سعد بن معاذ، ومن عدلت شهادته شهادة رجلين، خزيمة بن ثابت، ومن غسلته الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومن حمته الدّبر، عاصم بن أبي ثابت فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه غيرهم فذكرهم.
وأما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فقد أتم حفظه الألوف المؤلفة من الصحابة وبحسبك أن تعلم أن من قتل من القراء في موقعة اليمامة كانوا سبعمائة على ما قيل، وعن الصحابة حفظه الألوف المؤلفة من التابعين، وهكذا دواليك، تلقته طبقة عن طبقة بالحفظ والعناية والصيانة، حتى وصل إلينا القرآن الكريم، من غير زيادة ولا نقصان ولا تحريف ولا تبديل، فكان تصديقا لقول الله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ}.
الحافظات من النساء: ولم يكن حفظ القرآن خاصا بالرجال، بل قد شارك فيه النساء؛ منهن من كانت تحفظ بعضه، ومنهن من كانت تحفظه كله وذلك مثل عائشة وحفصة، وأم سلمة وأم ورقة، قال الإمام السيوطي: ظفرت بامرأة من الصحابيات جمعت القرآن لم يعدها أحد ممن تكلم في ذلك، فأخرج ابن سعد في الطبقات قال: أنبأنا الفضل بن دكين، حدثنا الوليد بن عبد الله بن جميع، قال حدثتني جدتي عن أم ورقة بنت عبد الله ابن الحارث- وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها، ويسميها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غزا بدرا قالت له: أتأذن لي، فأخرج معك أداوي جرحاكم وأمرض مرضاكم، لعل الله يهدي لي شهادة، قال: «إن الله مهد لك شهادة» وكان رسول الله أمرها أن تؤم أهل دارها، وكان لها مؤذن فغمها غلام لها وجارية كانت قد دبرتهما فقتلاها في إمارة عمر رضي الله عنه، فقال عمر: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يقول: «انطلقوا بنا نزور الشهيدة» فأكرم بها من مسلمة حافظة.